عبد الله بن أحمد النسفي
18
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 39 إلى 42 ] وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 39 ) قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 40 ) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ ( 41 ) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ( 42 ) ولما ذكر من خلائقه وآثار قدرته ما يشهد لربوبيته وينادي على عظمته قال : 39 - وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ لا يسمعون كلام المنبه وَبُكْمٌ لا ينطقون بالحق خابطون فِي الظُّلُماتِ أي ظلمة الجهل والحيرة والكفر ، غافلون عن تأمل ذلك والتفكر فيه . صم وبكم خبر الذين ودخول الواو لا يمنع من ذلك ، وفي الظلمات خبر آخر ، ثم قال إيذانا بأنه فعّال لما يريد مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ أي من يشأ اللّه ضلاله يضلله وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وفيه دلالة خلق الأفعال وإرادة المعاصي ونفي الأصلح . 40 - قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ وبتليين الهمزة مدني ، وبتركها « 1 » علي ، ومعناه هل علمتم أنّ الأمر كما يقال لكم فأخبروني بما عندكم ، والضمير الثاني لا محلّ له من الإعراب ، والتاء ضمير الفاعل ، ومتعلّق الاستخبار محذوف تقديره أرأيتكم إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ من تدعون ، ثم بكّتهم بقوله أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ أي أتخصّون آلهتكم بالدعوة فيما هو عادتكم إذا أصابكم ضرّ أم تدعون اللّه دونها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنّ الأصنام آلهة فادعوها لتخلّصكم . 41 - بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ بل تخصونه بالدعاء دون الآلهة فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ أي ما تدعونه إلى كشفه إِنْ شاءَ إن أراد أن يتفضل عليكم وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ وتتركون آلهتكم ، أو لا تذكرون آلهتكم في ذلك الوقت لأنّ أذهانكم مغمورة بذكر اللّه وحده إذ هو القادر على كشف الضرّ دون غيره ، ويجوز أن يتعلق الاستخبار بقوله أغير اللّه تدعون ، كأنه قيل أرأيتكم أغير اللّه تدعون إن أتاكم عذاب اللّه . 42 - وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ رسلا فالمفعول محذوف فكذبوهم فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ بالبؤس والضّرّ ، والأول القحط والجوع والثاني المرض ونقصان الأنفس والأموال لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ يتذللون ويتخشّعون لربهم ، ويتوبون عن
--> ( 1 ) في ( ظ ) و ( ز ) وبتركه .